Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
29 juin 2007 5 29 /06 /juin /2007 02:12

فاطنة بنت الحسين فنانة الشعب

 

                                                                         سالم اكويندي

 

فاطنة بنت الحسين فنانة الشعب،هكذا يمكننا أن ننعتها ، ليس بعد غيابها ، بل لكونها من منبت الشعب ، وعانقت آلامه وأفراحه حتى كانت في معانقتها تتلبس بهذه الآلام والأفراح، فجاءت منشدة مغنية وكأنها لا تتكلم إلا هذه اللغة  التي علمها إياها الفن الشعبي.

هزها فن العيطة منذ نعومة أظافرها حتى مماتها ، لان فن العيطة كان الأكثر تداولا ولازال كذلك في امتداداته خاصة فن الراي. وما يعرف بفن المجموعات الغنائية بما في ذلك ناس الغيوان وجيل جيلالة وتكادة ولمشاهب ومسناوة.

ولم تكن الفنانة فاطنة بنت الحسين لتبلغ هذا الاعتبار لو لم تكن قد تماهت في الواقع بهذا الفن الذي اخذ عليها حياتها،فحين نتتبع سيرتها الشخصية نجد أنها تهاجر من مسقط رأسها بسيدي بنور إلى اليوسفية ومنها إلى اسفي ثم إلى الدار البيضاء ليصبح الغدو والرواح بين اسفي وسيدي بنور مستقرها الأخير ، وهذه الهجرة والاستقرار هي نفسها هجرة واستقرار فن العيطة خاصة الحصبة والتي أصبحت وكما نعرفها الآن في اسفي مصنع العيطة ، وقول مصنع بلغة الصنايعية  في هذا الميدان.

إن ولع المرأة بفن العيطة لم يكن ولعا عاديا حيث اخذ كل أحاسيسها  ومشاعرها التي نلمسها في صوتها وفي أدائها الذي فرض الاحترام والتقدير لدلالات معانيه وكان القدر انتدبها لتحمل مشعل الغناء وهي امرأة في مجتمع رجولي بدوي يتصف بالصرامة ولا يريد للمرأة إلا بيتها.، ولنا أن نقدر ذلك عندما نعلم بالتشويش الذي أثير حول فن العيطة ومن يتعاطى لهذا الفن حتى كاد أن يصبح فنا محرما، وعندما نرجع إلى الوراء نلاحظ سبب هذا التشويش المقصود والمنظم ضد فن العيطة.

فمن الواضح أن فن العيطة جاء مولده مع الامتزاج الذي عرفته ساكنة المغرب بوفود القبائل العربية في العهد الموحدي . وكان هذا الفن نتيجة كذلك لميلاد اللغة العامية، لغة الشعب الموحدة للسلالة الامازيغية بالسلالة العربية،وهي لغة عربية اللسان بتكسير في الاستعمال لبعض بنياتها التركيبية والصرفية ،وهو ما يمكن أن يعالج على مستوى التداوليات، كما أن وجود اللغة هاته أعطى بالضرورة فن قول تعبيري  متطور مما حمله العرب الوافدون معهم ومع ما وجدوا عليه فن أحواش. ومن هذا الامتزاج الفني نلاحظ وجود فن اعبيدات الرمى كبراويل في وحدة البيت الشعري في مبنى ومعنى، وفي بومقلاع كرابط بين ابيات القصيدة وهو ما يلاحظ لدى إنشاد وانظام فن احواش.

وتنتقل هذه المركبة الصوتية الغنائية لتتنوع وتتوحد في أداء "عيطي" يعبر عن الوجدان الشعبي بالمغرب ، وقد كان لهذا الانتشار دور في توحيد الشعب وصياغة نظامه الثقافي الذي جاء كقرار سياسي كما نعلم عند الموحدين، ونفس البناء النظمي والأداء نجده في تنويعات أخرى في الفن الشعبي المغربي، الملحون مثلا ، طرب الآلة الأندلسي أو الغرناطي حيث المنبت الأصيل لهم جميعا هو فن أحواش في المواويل العربية التي جاءت مستخلفة ومدمجة في اعبيدات الرمى.من هذا المنطلق نفسر الاستهواء التلقائي الذي كان عليه ولع فاطنة بنت الحسين بالعيطة والتي لم تكن إلا التعبير الجريء لدى النساء في مجتمعنا، وبالطبع هناك من سبقنا إليه وقد تتلمذت على بعضهن في هذا الميدان الذي لا يمكن أن يكتفي فيه بالرغبة أو الحس ،بل يتطلب الإجادة والإتقان لأنه كما سبقت الإشارة صنعة.كما أن هذا الانتشار الذي صار عليه فن العيطة والذي عم كل المناطق حتى أصبحت كل منطقة تضيف إليه خصوصياتها ولكنها لا تخرج عن كونه فن العيطة ، مثلا : العيطة الفيلالية ، الملالية ، الجبلية...

وكل هذا نتائج عن الإحساس بالهوية والانتماء لهذا الوطن ،وعندما يكون فن العيطة بهذه القوة في الوعي الجمعي فانه لا محالة سيحارب ويسعى إلى حصاره ونعته بنعوت لا تليق به ولا بقيمته ودلالته الرمزية ،في ثقافتنا الوطنية والتي لا تعني بالضرورة الثقافة العالمية فقط ، وهذا الفصل كما نعلم له دوافعه وأهدافه،التي لم تكن إلا ضد الوحدة المتجلية والمعبر عنها وبما عليه الثقافة الوطنية من تنوع وتعدد.

وفي أتون هذا الخضم انفتحت علينا فاطنة بنت الحسين واستجابت بداعي إحساسها الإنساني الرفيع ،فأنشدت وغنت وطربت وأطربت،وقبل ذلك سعت بكل براءة لتعانق هذا الفن رغم النبذ والتنكر الذين نالتهما من أسرتها الصغيرة ما عدا أختها ، ويتسع النبذ ليتجاوز الأغنية الشعبية لينال الناس في ذوقهم وحسم الوجداني وارثهم الرمزي في الثقافة الوطنية .ورغم ذلك تبقى الأغنية الشعبية فنا جماهيريا ويستمر الناس في عشقها وترديدها سرا وعلانية لأنها فنهم وتراثهم وخزان ذاكرتهم وموعد لإعادة نظمهم الثقافي كما ترسخ في وعيهم الجمعي حتى أصبحت الأغنية الشعبية صنو الهواء الذي يستنشقونه.  
                                     
acc-simp-fatna-lhoucine2904-1-.jpg

وتكبر فاطنة بنت الحسين ويكبر أملها في أن تكون ما أرادت هي ان تكونه لا ما أراده لها الآخرون ، وها هي تنهض من صوتها الصداح لتنطلق الأغنية الشعبية عيطة مدوية،بمعنى أن العبيطة لا تعني دائما نها البكاء والنواح فقط ، بل صوتا يعلن الفرح بعد استرجاع ما فات وحكيه لتبدأ الحياة رجراجة في ربوع وفيافي ، وكان صوت فاطنة بنت الحسين يعلن هذه العودة ، وهي عودة لنقطة البدء والتلاقي في امتزاج سلالتين في سلالة واحدة ، وثقافتين في نظام  ثقافي واحد هو المغرب.

لقد أحسنت فاطنة بنت الحسين الاختيار بحسها الفني عندما اختارت مدينة اسفي التي تعتبر تربتها مختبرا ومصنعا للعيطة.ولنا أن نلاحظ تركيب قصائد الحصبة وإيقاعاتها وطريقة أدائها ، حيث جاءت كلها مركبة غير بسيطة كما نلاحظ في العيطة التنظيمية مثلا أو المرساوي ..وهذا التركيب الذي عليه العيطة الحصباوية ياتي انطلاقا من وحدة القصيدة لا وحدة البيت الواحد ،كما هو في البروال ، وليس كما يمكن أن يوحي به بومعقلاع كرابط،ويأتي كذلك محايثا كنص لطريقة أدائه والتي هي نفسها طريقة تلقيه وهي مكمن الفرجة المركبة ،فان كان فن اعبيدات الرمى يتأسس على الركب فان فن العيطة الحصباوية يتأسس منة هذا التركيب الغنائي الذي يستدمج كل أنواع العيوط ضمن عيطة واحدة ولهذا نجده يعتمد الحمدوشي أو الحوزي في خاتمة .

لقد أحسنت فاطنة بنت الحسين مرة أخرى عندما اهتدت إلى اسفي ،كما ن صوتها المتميز أو المتهدج يفرض على المستمع الانتباه بل يشده إليه.والأمر هنا كذلك لا يتعلق بالشيوخ الذين أخذت منهم أو منهن ، بل هو هوى استنهضته بولعها وعشقها لهذا الفن فاستنهضها هذا الهوى وكأني بها تعبر عن هذا المعنى بلازمتها المعروفة :

-         "هاداك حبيبي "

مبنى ومعنى يدل عن معنى هذه العلاقة.، وتستمر العيطة كما تستمر فاطنة بنت الحسين في إنشادها الذي تبقى لنا ، ونستحضرها في علاقتها بفن العيطة وهي تغني.

"دايرا يديها فيديه هذاك حبيبي "

نعم ماتت فاطنة بنت الحسين ، ويظل صوتها صداحا بما يجعل الناس يتذكرون أن العيطة فن الشعب، وأنها فنانة الشعب ، ولم تكن فاطنة وحدها ، بل كان قد سبقها أستاذ باحث كان سندا لها ولأمثالها هو المرحوم محمد بوحميد ، والذي عانى ما عانى في حياته ، كما في مماته ، من اجل أن تبقى العيطة فن الشعب، بل ارتقى بها في بحوثه لتصبح ميدانا  علميا حقيقيا ، فطوبى لهذا الشعب ، بمن أنجب وبما أبدع.

        

 

 

 

Partager cet article

Repost 0
Published by les safiots - dans ARTS
commenter cet article

commentaires

ابناء اسفي الجميلة

  • : ابناء اسفي الجميلة
  •  ابناء اسفي الجميلة
  • : شرفة بحرية تطل على الصورة والكلمة الجميلة الهادفة
  • Contact

للبحث

من هنا وهناك