Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
30 juin 2007 6 30 /06 /juin /2007 02:19

ارتسامات عن اسفي في عهد الاستعمار الفرنسي وبعد الاستقلال

 

عندما ابتلى الله المغرب باستعمار جديد ، لم يجد الفرنسيون اسفي مدينة منحطة متردية بل مدينة بها تقاليدها الحضارية ، وسكانها على اطلاع بكثير من نماذج الحياة الأوروبية وكان منهم العديد من الفقهاء والعلماء وعناصر من البعثة الطلابية التي أوفدها السلطان مولاي الحسن الأول إلى الديار الأوروبية ، يملكون الكتب القيمة في مختلف مجالات المعرفة ، وان الزوايا والمساجد كانت لها خزاناتها .

       ولما فتح ما كان يسمى بالمدارس الفرنسية – المغربية ، كان الرعيل الأول من خريجيها المتوفرين على تعليم مزدوج ، والحافظين للقران ، يحظون بعناية السكان وتقديرهم ، إذ وضعوا فيهم كل الآمال للمساهمة في النهوض بالبلاد ، حسب ما يتطلبه العصر ، فكان منهم الميسترو ، والترجمان بالبلدية "بدار الجوج " –La maison juge – التي تعني المحكمة ، كما أن "دار الطبيب" كانت تعني المستشفى.

       كان من هذا الصنف الجديد من المتعلمين يجالسون شيوخهم ويستكملون تكوينهم على أيديهم أثناء حلقات دراسية مجانية تنظم في المساجد والزوايا والمدرسة بين صلاة العشائين، ثم يناقشونهم في  ميادين المعرفة ويستفتونهم في قضايا الدين والحياة.

       كان عدد الفقهاء والعلماء غير يسير إلى حدود الخمسينات ، لكن اغلبهم رحلوا ولم يأت من يعوضهم، وليس اليوم في المدينة من يضاهيهم معرفة وعلما في اختصاصهم.

       من جملة المكتبات الشهيرة التي كنا نعرفها، مكتبة المرحوم البخاري وكان الناس المهتمون بالمعرفة يجدون فيها نوادر المخطوطات والكتب القيمة ، ولكنها بادت وليس لها في المدينة بديل رغم ازدهار الحركة العلمية والتأليف والنشر في المغرب.

       وفي موضوع المدينة العتيقة ، يوجد ما يقال بإسهاب ، كانت أزقتها جميلة بأقواسها المتعددة والمنسجمة مع هندسة البناء ، توفر الراحة لساكنيها ، هواءها عذب في الصيف ، دافئ في الشتاء ، نظيفة صالحة مستصلحة ، تفوح من منازلها روائع الطهي الشهي ، أزقة ودروب كانت تجلب الأنظار وتثير في النفوس إحساسا بالاطمئنان ، لا يسمع فيها لغو ولا تاتيم إلا قيلا سلاما سلاما.

       أما اليوم ، فانك إذا دخلتها ، تراها تلاقيك بوجه حزين كئيب وكأنك تسمع لسان حالها يرثي مجدها المفقود،رونقها السليب وحضارتها الراحلة . هنا وهناك ، جدران تتساقط قشورها ، ومنازل تشكو من الإهمال المسلط عليها حتى إن سقوف بعضها انهارت وأصحابها عنها غافلون، أرضيتها كلها أخاديد ، زواياها مليئة بما فيها ، قنوات تصريف المياه المنزلية في حاجة إلى التطهير.

       اتفق القوم قبل الاستعمار الفرنسي وخلاله أن سوق الخميس لا يعمر إلا خارج الأسوار وان الجوطية لا مكان لها ملائما إلا خارج المدينة ، فكانت "البلاصة بباب الشعبة".

       لكن نفرا من المتأخرين ربما أحسوا بالغيرة على آثار "الدازنبوج"، شيخ سلا زار وأمثاله ،فاستحسنوا العناية بهذه الآثار ، فأمست "البلاصة"في خبر كان ، وطهروا الأسوار من الطفيليات ثم أقدموا على ترميمها واجتهدوا في إبراز حسنها نهارا وطرفا من الليل ، فكرة حسنة وفائدة للتاريخ والأهالي.

       لكن من هذا اتخذ قرار غير حكيم تم بمقتضاه نقل "البلاصة" والجوطية إلى وسط المدينة العتيقة ونشرهما طوا  أهم شارع فيها ، كان إلى الأمس القريب ملتقى الأصدقاء وفيه يغدون ويروحون ، لا شيء يعرقل حركاتهم في هذا الممشى الذي أصابه ضرب من المسخ من جراء تكاثر باعة سمح لهم بغزوه غزوا وخنقه خنقا.

       هناك بهذا الشارع ، وأمام البويبة ، كانت المدرسة مفتوحة يصلي فيها الناس ،وتلقى فيها دروس في الفقه واللغة والدين ، فطاب لقوم أن يغلقوها ، ويحولوا حجرتها إلى دكاكين مفتوحة أبوابها على مقربة من المسجد الكبير ، يباع فيها من جملة ما يباع ، آلات الكترونية وراديو هات ، يتخبطها الشيطان من المس بين الحين والحين ، طيلة النهار وزلفا من الليل ، فيصيبها الجنون وتطلق العنان لصراخها ، لا تبالي بالمصلين والمتعبدين فتزعج هؤلاء وؤلائك في خشوعهم واعتكافهم.

       كانت للمدرسة ساعة كبيرة مستديرة الحجم راسية بصومعتها ، تشكل معلمة من معالم المدينة ،تذكر المرء بالزمان والتاريخ ، لكنها اختفت بقدرة قادر ، ماذا فعلوا ب "المكانة "؟ أليس من المفيد أن ترجع إلى مكانها  أو أن تعوض بأخرى ؟ أليس من المصلحة العامة استصلاح المدرسة وتحويل حجراتها إلى خزانات وقاعات للمطالعة قريبة من سكان المدينة وما فوقها ؟ أليس من المنافع الكبرى الاعتناء بالمدينة العتيقة لتكون قبلة للسياح والزائرين؟

       غريب، غريب والله أمر قوم صرفوا عنايتهم لآثار البرتغال وانصرفوا من تراثهم العمراني والحضاري !  الشعوب الراقية تصون الأحجار البالية في الجدران ، وحتى الأشجار النادرة اليحفورية تحفظها حية في التربان ، وتتخذها شهادات ووثائق تاريخية ،وعلمية وهنا ، هنا في هذه الديار ، اغفل بعضهم تراثنا التاريخي ، فساهموا بإهمالهم في طمس معالمه وإتلافها ، كما غضوا الطرف لما جاء من جاء أو أمر بما لم يأمر به الفرنسيون، ألا وهو هدم ما تبقى من سور الموحدين وهو لا يعلم انه عبث بوثيقة تاريخية هامة في سبيل ما يسمى بالكورنيش.

       طبعا لا ينكر احد أن المدينة ازدادت اتساعا وعمرانا ، وشقت فيها الطرق والقنوات ، وتضاعف عدد مدارسها العصرية ، لكن كيف ؟

       المدينة انقسمت إلى شطرين ، شطر الشمال وشطر الجنوب بينهما منطقة تبحث عن طريقها ، تقدم الجنوب وتأخر الشمال ، خلافا لما يلاحظه عادة علماء الاجتماع بالنسبة للأقطار والأمصار ، ينطلق شطر الشمال من سيدي بو الذهب إلى ما فوق إلى عالمه المتخلف ، عالمه الثالث.

       كان في شمالها جنان الفسيان ، طله ورد وريحان ، فكاد يصبح أرضا جرذاء ،وقد امتلأت أطرافها هي الأخرى بالحفر والأخاديد ، وصار جزء منها ملحقة تابعة لربوة الفخارة ،وعهدي بالملحقات لا تكون إلا للمدارس والكليات والإدارات والمستشفيات ، لم يكف ربوة الفخارة التوسع على ما كان بجوارها من مسالك ومقابر ولربما سنرى يوم دار بالهواري تحولت إلى فخارة.

       أما عن ابياضة وأشبار ، فان حالتهما تردت وصارا لا يختلفان عن حي من أحياء القرى ، وان من قرى الأمس القريب ، ما صار اليوم أرقى من شطر شمال اسفي وغير بعيد عن هناك ، كان واد الباشا حقلا اخضر ، ينبت فيه شجر التين والزيتون ، والتوت والخروب ، فانقلب إلى مجموعة سكنية في تناقض  تام مع أحياء شطر الجنوب والمدينة الجديدة . فأضحى لاسفي وجهان ومن له وجهان ،يبدو مخادعا حسب المفهوم الشعبي.

       وفي موضوع الميناء ، نقول بأنه لم يستطع في عهد الاستعمار آن يتطاول على شاطئ السباحة ، فسمح له من سمح بان يبتلع ذلك الشاطئ في عهد الاستقلال دون أداء المقابل إلى السكان ، ولا ندري هل تستفيد المدينة من غزو الميناء لشاطئها المفقود . ويقال ويشاع والله اعلم ، أن الكيماويات الفوسفاطية ، سخية كل السخاء في إبعاد الأسماك وتلوث البيئة والأجواء ، ولئن كان لابد للميدالية من وجه براق، فلها كذلك وجه حراق ، ولآت حين مناص.

       اشتهرت المدينة بسردينها وصناعتها اليدوية كالخزفيات والبلغة والريحية والحائك ، وتنبأ لها المستعمرون الفرنسيون بمستقبل زاهر ، اقتصاديا وسياحيا ومجتمعيا.كان بها مائة معمل لتصبير الأسماك لم يبق منها اليوم إلا ما يزيد عن الثلاثين بقليل،وليس فيها ما يجلب قوافل السياح.

اسفي مدينة ثكلى وما هي بثكلى،فأبناءها مبتوثون ومتناثرون كالبراعم والأزهار في كثير من الحواضر،فمتى سيجتمعون على كلمة سواء ليساهموا كلهم في النهوض بشؤون أمهم حتى يدرك شمالها وجنوبها في التقدم والعمران،وحتى يعود للمدينة العتيقة نصيبها من الاعتبار؟ أيظن أحد أن تلك المدينة البرتغالية المدعوة "بورتماو" التي توأموها بها، تستطيع أن تصنع معجزات هم غير قادرين عليها؟هل ينتظرون من "بورتماو" أن تبعث لهم عمال لتطهير المدينة العتيقة وتحسين إنارتها وترميم جدرانها وأزقتها؟هل كان على صدق من قال:(لا تخف على اسفي إلا من أهلها؟)

 

                                                             ذ.احمد بنجلون

                          {مقتطف من مداخلته بعنوان "اسفي بين الأمس واليوم}

                                              الملتقى الفكري الأول لمدينة اسفي

                                                         23-25 يونيو 1988

 

 

Partager cet article

Repost 0
Published by les safiots - dans DU PASSE
commenter cet article

commentaires

ابناء اسفي الجميلة

  • : ابناء اسفي الجميلة
  •  ابناء اسفي الجميلة
  • : شرفة بحرية تطل على الصورة والكلمة الجميلة الهادفة
  • Contact

للبحث

من هنا وهناك